أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
151
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أن تكون المسألة من باب التنازع ، أعني بين « نَقُصُّ » وبين « أَوْحَيْنا » فإن كلا منهما يطلب هذا القرآن ، وتكون المسألة من إعمال الثاني ، وهذا إنما يتأتى على جعلنا « أَحْسَنَ » منصوبا على المصدر ، ولم يقدر ل « نَقُصُّ » مفعولا محذوفا . وقوله : « وَإِنْ كُنْتَ . . . إلى آخره » تقدم نظيره . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 4 ] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) وقوله : إِذْ قالَ . في العامل في « إِذْ » أوجه : أظهرها : أنه منصوب ب « قالَ يا بُنَيَّ » ، أي : قال يعقوب يا بني وقت قول يوسف له كيت وكيت ، وهذا أسهل الوجوه ، إذ فيه إبقاء « إِذْ » على كونها ظرفا ماضيا . وقيل : الناصب له « الْغافِلِينَ » ، قاله مكي . وقيل : هو منصوب ب « نَقُصُّ » أي : نقص عليك وقت قول كيت وكيت ، وهذا فيه إخراج « إِذْ » عن المضي وعن الظرفية ، وإن قدرت المفعول محذوفا ، أي : نقص عليك الحال وقت قوله لزم إخراجها عن المضي ، وقيل : هو منصوب بمضمر ، أي : أذكر ، وقيل : هو منصوب على أنه بدل من « أَحْسَنَ الْقَصَصِ » بدل اشتمال . قال الزمخشري : لأن الوقت يشتمل على القصص وهو المقصوص . قوله : يا أَبَتِ قرأ ابن عامر بفتح التاء ، والباقون بكسرها ، وهذه التاء عوض عن ياء المتكلم ، ولذلك لا يجوز الجمع بينهما ، وهذا مختص « يا أبت ويا صاحبت » ولا يجوز في غيرهما من الأسماء لو قلت : يا صاحبت لم يجز البتة ، كما اختصت لفظة الأمّ والعمّ بحكم في نحو : يَا بْنَ أُمَّ « 1 » ، ويجوز الجمع بين هذه التاء وبين كل من الياء والألف ضرورة كقوله : 2756 - يا أبتا علّك أو عساكا « 2 » وقول الآخر : 2757 - أيا أبتا لا تزل عندنا * فإنّا نخاف بأن تخترم « 3 » وقول آخر : 2758 - أيا أبتي لا زلت فينا فإنّما * لنا أمن في العيش ما دمت عائنا « 4 » وكلام الزمخشري مؤذن بأن الجمع بين التاء والألف ليس ضرورة ، فإنه قال : فإن قلت : فما هذه الكسرة ؟ قلت : هي الكسرة التي كانت قبل الياء في قولك : « يا أبي » فزحلقت إلى التاء ، لاقتضاء تاء التأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحا ، فإن قلت : فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء ، وتبقى الياء ساكنة ؟ قلت : امتنع ذلك فيها ، لأنها اسم ، والأسماء حقها التحريك ، لأصالتها في الإعراب ، وإنما جاز تسكين الياء ، وأصلها أن تحرك تخفيفا ، لأنها حرف لين ، وأما التاء فحرف صحيح ، نحو : كاف الضمير ، فلزم تحريكها . فإن قلت : يشبه الجمع بين هذه التاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض والمعوض منه ، لأنها في حكم الياء إذا قلت : يا غلام ، فكما لا يجوز : « يا أبتي » ، لا يجوز « يا أَبَتِ » ؟ قلت : الياء والكسرة قبلها شيئان ، والتاء عوض من أحد الشيئين ، وهو الياء والكسرة غير
--> ( 1 ) سورة طه ، آية : ( 94 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت لم نعثر عليه . ( 4 ) البيت في الأشموني ( 3 / 158 ) ، التصريح ( 2 / 178 ) .